17 سبتمبر 2010

تشي غيفارا.. قصة ثائر

في روساريو أحد أحياء العاصمة الأرجنتينية بونيسايرس، كانت الصرخة الأولى للفتى أرنستو من أبوين ميسوري الحال، أب يشتغل كمهندس معماري وأم مثقفة مهتمة وشغوفة بتاريخ الأرجنتين وأمريكا اللاتينية على حد سواء، كما عرفت بأنها هي أول من ألقى في ابنها أرنستو البذرة الأولى لشخصية متيمة بحب أمريكا اللاتينية.

أرنستو تشي غيفارا دي لا سيرانا، كانت إرهاصات الثوري الماركسي بادية عليه منذ صغره، فقد أجمع كل من عرفوه على أنه كان منذ نعومة أظافره متضاربا ومتناقضا في بعض مزايا شخصيته، إذ كانت تجمع بين الجرأة البالغة وخجل العذراء في خدرها وبين الفتى الوسيم الجذاب والمراهق العبثي الهيئة، وهي صفات طبعت شخصية التشي ولم تبارحها إلى آخر أيامه حيث تم إغتياله.

أُرغم الوالدين بترك العاصمة والإنتقال للإقامة في مكان أكثر جفاف بسبب إصابة إبنيهما بنوبات الربو، حيث هناك سوف يكون الفتى أكثر قربا وإحتكاكا بالفقراء وسيتعرف على الأوضاع الإجتماعية المتدنية والمزرية التي تعرفها امريكا اللاتينية.

وفي سنة 1947 التحق المراهق ارنستو بكلية الطب بالعاصمة الأرجنتينية وسيتعرف بصديق مدمن بالسياسة، قام برفقته بجولة دامت مدة 8 أشهر إتجاه شمال القارة فزاد إحتكاكه أكثر فأكثر بالفقر والفقراء في مزيج بالسياسة . وكان حينها أول نضالاته إنخراطه وتطوعه لممارسة الطب لصالح عمال المناجم متجاوزا بذلك هموم مرضه هاجس الأسرة الأول.

بعد تخرجه من جامعة بيونسايرس عام 1953 زاد إهتمامه بالحياة النضالية فسافر إلى كولومبيا للتعرف على الثورة بشكل أعمق، وبعد سنتين من ذلك إلتقى بكاسترو في المكسيك الذي كان قد خرج لتوه من السجن إثر هجوم قام به على قلعة موناكو في السنة التي كان فيها غيفارا بكولومبيا، وسمع هناك عن الثائر كاسترو فكان أكثر حماسا للقاء برجل طالما اعتبر نفسه من المحررين رغم إيمان التشي بأن “المحررين لا وجود لهم، فالشعوب وحدها التي تحرر نفسها”.

سرعان ما تمتنت الصداقة بين الثوريين فأغاروا بأتباعهما على الشواطئ الكوبية إلا أنهما تلقيا هزيمة على يد جيش الدكتاتور باتيستا، ورغ ذلك لم ييئسا واستقل كل واحد منهما بفريقه من الثوار وانضم إليهما فلاحوا جبال السيرامايسترا، زاد العدد واندلعت الثورة من جديد فتمكن التشي غيفارا من الدخول إلى العاصمة هافانا قبل “المحرر” كاسترو سنة 1959 وفر باتستا هاربا وذيله بين ساقيه كجرو مجروب.

بعد نجاح الثورة كان التشي غيفارا الرجل الثاني بعد فيديل كاسترو واحتل عدة مناصب سامية ورفيعة المستوى، وكان هو من قام بتأميم جميع مصالح الدولة كما وجه إهتمامه إلى الشعوب المقهورة والمترنحة تجت نير الامبريالية والاحتلال الأوروبي والأمريكي، فأعلن مساندته للحركات التحريرية بالفتنام والجزائر والتشيلي…، كما كان أكثر راديكالية وجدية في مواقفه من رفيقه كاسترو، فتحفظ عن انحياز صديقه الحميم للإتحاد السوفياتي وكان معارضا وغير راض عن ممارسات القادة الثوريين الذين كانوا قد بدؤوا يشكلون طبقة جديدة داخل المجتمع الكوبي.

لم تعد تعجبه الأوضاع بكوبا ولم يعد يرى فيها ما حلم به، فغادر الثائر العالمي إلى الزائير (الكونغو الديمقراطية حاليا) وضحى بكل مناصبه وأحلامه ومكتسباته وطموحاته النضالية وقام بالقضاء على أي آصرة رسمية تربطه بكوبا رغم أنه لم يخفي حبه البالغ لرفيق دربه كاسترو وللشعب الكوبي الثائر.

ورغم تجمع المثبطات بالقارة الافريقية عكس ماكان عليه الأمر بامريكا اللاتينية، ورغم خذلان الحظ له، ورغم تواطؤ مجموعة من العوامل حيث لم يلقى حماسا كبيرا من القادة الثوار الأفارقة، وبالرغم من المناخ واللغة المغايرين لظروف نشأته، إضافة إلى المرض الذي أصابه هناك بالأدغال الأفريقية حاول مواصلة كفاحه بإصرار إلى أن زاره كاسترو بإحدى المستشفيات وهو صريع المرض، فاضطر للعودة إلى كوبا ثم سريعا شد الرحال إلى بوليفيا حيث سيلقى حتفه.

هاجمت قوات الجيش البوليفي المتكونة من 1500 فرد، “عصابة” تشي غيفارا المتكونة من 16 رجلا، ودام القتال 6 ساعات متواصلة في عمل آية من البطولة،فانتهت المعركة بمصرع جميع أفراد مجموعته وأسر القائد حيا. فكان إعدامه في اليوم التالي وبعد 24 ساعة من التنكيل به في مدرسة “ماريوتيران” بقرية بوليفية تدعى “لاهيجيراس”.

هناك تعليق واحد:

  1. رمز سيظل للابد خالدا في اذهان الجميع
    مقالة جميلة حول الثائر
    تحياتي

    ردحذف