18 مايو، 2012

لا أحد...

صراحة لا أدري من أين أبدأ، أو كيف أبدأ. ولا أدري حقيقة ما هو الشيء الذي دفعني إلى أن أكون على الخط. لم أتردد، وحملت السماعة. عفوا. وحملت القلم كي أكون أول من يتحدث، أو بالأحرى أول من يكتب في برنامجكم. عفوا. قصصكم : مواطنون على الخط. ربما تتساءل من أكون. من أنا وما اسمي. لا أكذبك القول، أنا لا أحد، أو ربما كل أحد. تستغرب. لا داعي للاستغراب.
تراه إشكالا فلسفيا؟ دعك من الفلسفة وجدالها العقيم.، ولكن للتواصل بيننا، فيمكنك نعتي إن أردت بـ"كحل الراس"، هكذا أفضل نكرة معرفا. وإن أردت بعد الحلقة أن تبحث عني فإني أنصحك ألا تفعل، ليس لأنك لن تجدني. لا لا. ألم أخبرك أنني ربما كل أحد. إذا قد أكون في كل مكان، ولكن أخشى أن يضنيك التعرف علي. تتساءل لماذا؟ لأنني وببساطة لا أحد. أظنك الآن فهمت، ولا أشك في ذكاءك، ولكن أرهف سمعك. عفوا. بصرك وكل ما قد تحتاجه كي تقرأ ما أقوله. عفوا مرة أخرى. بالأحرى ما أكتبه.
تنتظر قصتي؟ ليست مهمة. ولم يسبق لها أن حظيت ولو بقليل من الأهمية، فطالما رويتها في أكثر من مناسبة ولا أحد ألقى السمع وهو شهيد. لكن سأعيد قصها، ليس لسواد عينيك، فقط لأملي في أن تلفت انتباهك. أنا وكما سبق وأن قلت، كل أحد، على وجه النسبية لا الإطلاق. كل أحد تلتقيه: في الحي، في السوق، في المعمل، في المدرسة، في الكلية، في الإدارة، في مدينتك، في الطريق، على التلفاز، في اللوحات الاشهارية، على أغلفة المواد الاستهلاكية. في كل مكان. ولكن. حدك طنجة. كما يمكنني أن أكون --والله أعلم-- أحدا قربك ينظر إليك الآن (لا تلتفت. ركز فيما أكتب)، أو يمكنني أن أكون وهذا في الغالب أنت نفسك. 
أرأيت؟ فهمت الآن لماذا أخشى أن يضنيك التعرف علي؟ اتفقنا أنه لا داعي للاستغراب، ولا ترهق نفسك في التفكير. على كل حال. كأني لم أقل شيئا البتة. ما أسعدك إن كنت كل أحد! وما أتعسك إن كنت كل أحد مضافا ولا أحدا مضافا إليه. صعبة. لا أقصد على ذكائك وفهمك. أقصد وقعها صعب عليك. دعك من ذلك. لا شك أن التصريح أبلغ من التلميح. ولذلك إليك قصتي أنا اللا أحد، الكل أحد:
ولدت في وطن. وطن. ما أجمل هذه الكلمة! ولدت في وطن أنت تعرفه جيدا ولا داعي لأن أحدثك عنه، وطن شاءت الأقدار أن يكون تحت. تحت. تحت البحر الأبيض المتوسط، واقع ولن أزيد عن ذلك. أقصد متموقع، ولن أزيد عن ذلك، من المحيط إلى المحيط. ولدت سنة... لا أدري بالضبط. ولكن تقريبا سنة 1912 أو سنة 1948 أو1967 أو لعلها سنة 2003. بالضبط، لا أعلم. ولكن ميلادي يبدأ مع إحدى هذه السنوات وعلى الأرجح بداية حياتي تؤطرها هذه التواريخ.
يحكى أنني أتيت إلى الدنيا رغما وغصبا عني، كما يحكى أيضا أنني أبيت الخروج إليها إلا وأنا بالمقلوب، رجلي أولا. وقيل أيضا إنني مكثت كثيرا في بطن أمي ورفضت الخروج إلى أن تجاوزت فترتي الجنينية التسعة أشهر. ولعل من محاسن الصدف أن اخترعت العمليات القيصرية لمثل حالتي. وحسب ما روي لي أيضا أن عصياني وتمردي لم يكونا من محاسن الصدف كما العمليات القيصرية ولكنه لإطلاعي عن كثب لما كان ينتظرني في هذا البحر اللجي.
وصحيح القول إن كل ذلك ليس له أساس من الصحة، ليس لأن كل ما يحكى كان هراء في هراء، ولا لأنني أََكذِّب أحدا. بل لشيء واحد. كنت أحب الحياة. إذا، لم آت إلى الدنيا غصبا ورغما عني، ولم أكن أريد الخروج بالمقلوب من بطن أمي لأنني ما أعتدت أن أريد لها الشقاء، وكما أني لم أرفض بتاتا الخروج إلى الدنيا، لأنني وكما قلت، أحب الحياة. كيف يمكنني أن أكون من العصاة المتمردين وأنا ذلك الجنين البريء الذي لا حول له ولا قوة، وكيف بالله عليك أتطلع إلى ما كان ينتظرني وأنا مغمض العينين.
ليس كذلك. كنت أعجل الناس على حياة. قليلون هم من أتموا التسعة أشهر، كما هم قليلون من تعدوها في أحشاء أمهاتهم. أما أنا، فتلك المدة لم أكملها تماما، لأنني وكما عُلم كنت أعجل الناس على حياة. ولذلك لا أقدم كثيرا على قول "كلنا أولاد تسعة أشهر"، فهم وحدهم من أكملوها، تلك القلة، ولن أزيد. توضيح الواضحات من المفضحات.
لنعد إلى يوم ولادتي. خرجت يومها من بطن أمي مغمورا بالغبطة، هاشا باشا، اندفعت بلا مواربة والشوق يحدوني للقاء. أي لقاء؟ لم أكن أدري، ولعله كان سر وكنه حبي للحياة. مشهد لم ولا ولن يتكرر معي أبدا، خرجت يومها من بطني أمي ولم تسعني الدنيا على رحابتها من فرط حبي لها، خرجت يومها من بطن أمي ولم يتثنى في صدري شوقي لها، خرجت يومها من بطن أمي و... لك أن تكمل بأعبق الكلمات.
عجبا. فمن ذا الذي افترى بأنني رفضت الخروج؟ ومن ذا الذي قال إنني خرجت إلى الدنيا برجلي وأنا الذي كنت على أعتابها ورأسي إلى الأرض؟ من ذا الذي اتهمني بالتمرد والعصيان وأنا بصفحات بيضاء أخرج من بطن أمي وأكد؟ عجبا. أكان مني كل ذلك الشوق والكد لينكر علي حقي في حب الحياة؟
وتلقفتني بيدين ناعمتين وابتسامة عريضة ووجه متلألئ وهندام أبيض ناصع، ودلتني. كذلك كانت بدايتي. ودلتني بيدها من رجلي وأنا أبادلها الابتسام. ابتسمت لي وابتسمت لها. ابتسمت وصفعت. فترت ابتسامتي. عجبا، ابتسمت لي وصفعتني على فخذي الصغيرة الطرية، واستغربت. يحق لها لا لكم. استغربت وضربتني مرة ثانية، فامتعضت لكنني لم أبك، وارتسمت علامات استفهام على وجهي كلينا: "هل الحب مؤلم إلى هذه الدرجة؟ الفطرة لا تقول كذلك". "غريب أمر هذا المولود أضربه ويبتسم، ظاهر أن به خبلا." 
ونظرت إلى أمي وأبصرت على وجنتيها عبرات رقراقة وهي تنظر إلي وتبتسم، وتبعثرت المفاهيم البريئة داخل رأسي الساذج: كيف يجمع بين متضادين في آن واحد. بكاء وابتسام. أذلك هو الحب؟ أهي الحياة؟ وتلقيت ضربة ثالثة وأصبحت مضطرا للتخلي عن زادي مما ظننته فطرة كنت عليها وأسلمت نفسي للبكاء، ومن ثم بدأت أراجع نفسي فيما كنت عليه من عجل على حياة.
ومضى بي الزمان وأنا أراجع حساباتي، وكنت في طفولتي بارعا في الحساب والرياضيات، ولم تكن تلك البراعة وليدة خشيبات وأقراص مدرسية، ولكن نتيجة علاقتي المبكرة بحياة العدس والفول والفاصوليا وعدد حباتها على صحننا الصغير. ورغم كل ذلك لم تكن براعتي البسيطة تلك لتساعدني على حل معادلات كثرت فيها المجاهيل.
كبرت وكبر كل شيء معي بعد ما كان على صغر، إلا شيئا واحدا كان فيّ كبيرا وبكبري يصغر. إنه حبي للحياة. كنت أعجل الناس على حياة، كما أنني اليوم –كما ترون في أكثر من مناسبة– أعجلهم على... أستغفر الله. 
حملت البؤس كجلدتي وعشت محجلا باليأس على جبيني وخاتم الفقر لا يزال منقوشا في سيرتي، عبثوا بشأني وتحكموا في مصيري، طفح الكيل وبلغ السيل الزبى، إنهم هم. أولئك الذي يمسكون بأيمانهم نواصي العباد ويبعثرون بشمائلهم ثروات البلاد، ملكوا زمام أمرنا نحن قطعانهم وأتونا كل وقت وحين بأفيون لنا، غمّسونا في برك الشعارات ومستنقعات المهرجانات ووهمونا الزبد مثلجات. خلفوني أنا اللا أحد وغيري في أرصدتهم أصفارا لأرقامهم الصعبة، وعبثوا بمصالحي بدون عناء. بجرة قلم أو رنة هاتف. ما أهون العبث لديهم! 
ولي الآن أن أسأل: كيف بعد ذلك حبي للحياة؟ وكيف ألام حين أجد لذة في سبهم وسب أب الأرض التي جمعتني بهم؟ وكيف ألام حين أجمع أغراضي وحقائبي وأبحث عن أرض أكون فيها أحدا أو أقذف بنفسي في بحر لا يمسك فيه بناصيتي أحد؟ ما الذي ينزل البطل من على صهوة حصانه؟ في حالتي أنا. الكرامة وكسرة خبز، رغم أني لم أشعر يوما أنني كنت بطلا.

هناك تعليق واحد: