6 أغسطس 2008

"مؤرخ" الجزيرة وتاريخ المغرب

من السهل فهم لماذا تعج كتب أغلب المستشرقين وأعمال المؤلفين الإستعماريين من طينة جيروم كاركوبينو وكريستيان كورنوا بمغالاطات لاحدود لها سواء عن تاريخ المغرب القديم أو الحديث، وذلك بسبب مآرب وميولات ما في رؤوس هؤلاء المليئة بالأحكام السلبية المبنية على مفاهيم ثقافية منتقاة وعقد إستعمارية مسبقة، ولحاجات أخرى في بطن الأفعى.
لكن ما هو عصي عن الفهم هو نوع المكيال الذي يستخدمه الصحفي المصري حسنين هيكل وهو يكيل إفتراءاته وتلفيقاته عن تاريخ المغرب وملكه الراحل، والطعن في إستقلال هذا البلد إلى درجة الإيحاء إلى التخوين أمام الضمير العربي والإسلامي باللعب بورقة اليهود.
بغض النظر عن موقف الناصرية التاريخي من الملكيات، وبغض النظر عن الأجواء الشبه المتشنجة التي كانت تطغى على علاقة الملك الحسن الثاني بجمال عبد الناصر وتورط هذا الأخير مع الجزائر في حرب الرمال ضد المغرب، وبغض النظر عن عدم كون هيكل (الناصري حتى النخاع) مؤرخا وأنه مجرد صحفي بلغ من الحظ والشهرة في حياته ما بلغ. ليس هناك أي سبب آخر قابل للفهم لكل تلك الإدعاءات التي ساقها في كتاباته وأخيرا في “قصة حياته” على قناة الجزيرة.
ليست هذه هي المرة الأولى التي يستخف فيها هيكل بالعقول أو يخلط فيها بين الذاتي والموضوعي، فهو دائم الخلط بين الحابل والنابل ولا يتورع عن أن يحيك من الخرافات والأساطير ما يجد نفسه فيها بطلا، ولسوء حظه، فحبل الكذب قصير، وسرعان ما يكون الرد على إدعاءاته بشهادة شاهد من أهلها.
في برنامج حواري بإحدى القنوات المصرية للصحفي الراحل مجدي مهنا دحض اللواء جمال حماد،كاتب البيان الأول لثورة يوليوز 1952م، تصريحات هيكل في كونه يلازم جمال عبد الناصر قبل الثورة ويطلع على خبايا الإعداد لها وترتيباتها النهائية، كما تعجب لخياله الواسع في التلاعب بالتاريخ وأحداثه وجعله أداة طيعة بين يديه، لغايةٍ هيكل هو وحده يعلمها، وتساءل حماد في النهاية متهكما : لا أدري إن كان هيكل،حقا، هو صانع الثورة أم لا ؟ !!
براعة هيكل في “حدُُّوثاته” المشوقة تكمن أساسا في سرعة وفُجائية إنتقاله في بحر من الوقائع من حادث إلى آخر دون أن يرسي فكرة واحدة على بر، وبالتالي تجد نفسك أمام كم هائل من المعلومات دون أدنى رابط منطقي، وكذلك تفننه في تحليلات غريبة لأحداث تاريخية، كأن يحدد عواصم الحرب العالمية الثانية في ثلاث وهي لندن ونيودلهي والقاهرة، أما برلين وباريس وموسكو فهي – ربما في رأيه- كانت عواصما لحروب الإسكندر الأكبر! وإضافة إلى ذلك، براعته الفائقة في الزج المستمر بإسمه في أبرز الأحداث العالمية للقرن العشرين ومع أبرز شخصياتها التاريخية بأسلوب بروباغندي منقطع النظير، فهاهو في جلسة شاي رفقة رئيس دولة كبرى ثم هاهو يلعب الغولف مع ملك شديد الخشية على عرشه وإذا به في إحدى المرات يترجاه صاحب نظرية النسبية أينشتاين للتوسط له عند اللواء محمد نجيب خوفا من أن يُلقى بـ “شعبه” إسرائيل بالبحر أو أن يلحقوا به الهزائم تلوى الأخرى.
روايات محمد حسنين هيكل المرسلة يعوزها الكثير من التدقيق والمصداقية، دون الحاجة إلى التذكير بضرورة تناول التاريخ بشكل موضوعي بعيدا عن الذات المحلقة في عوالم اليوتوبيا والحنين الناصري أوالمزايدات الإيديولوجية الضيقة. وقد أصاب المؤرخ المغربي عبد الله العروي كبد الحقيقة وهو يكتب “سوء حظ المغرب الحقيقي هو أن تاريخه كتبه لمدة طويلة هواة بلا تأهيل”، وفي أغلب الأحيان تجد هؤلاء “الهواة بلاتأهيل” هم عبارة عن كتاب متطفلين على التأريخ أوصحفيين فضوليين… و في أحسن الأحوال روائيون يتقنون فن الحكاية.